كتبت: حنان فوزى الميهى
هرول الجميع إثر سماعهم لذلك الصوت الآتي من
قريب، ليُفاجئ
البعض بذلك المشهد الذي ينقلهم الى الزمن الجميل، حيث لا مكان للتلوث السمعي
وموسيقى التوكتوك المُدعاة بالمهرجانات.
كان المنظر غريبا حيث جمع بين أصالة الصوت
وحداثة المظهر وعراقة الحدث السنوى، إذ كان الحدث هو "معرض الإسكندرية الدولى الرابع
للكتاب" وكان الصوت هو موسيقى حسب الله الشهيرة، التى لطالما سمعناها فى الأفلام
القديمة، ولكنكان المنظر لشباب عصريين لا يكاد اكبرهم أن يتجاوز الثلاثون عامًا
في حِلةٍ عصرية ، وأدواتٍ عصرية وطريقة عزفٍ شبابية.
فكيف إجتمع هذا المزيج الغريب ليشكل صورة
تراثية فريدة لقلما شاهدناها فى عصرنا الحديث؟
إذ اجتمع عشاق الموسيقى الشباب
بعاشقي الكتب فى حدثٍ ثقافي من الدرجةِ الأولى على أنغام موسيقى حسب الله.
ووسط هذا الحدث الذي أبهر الموجودين عادت
الذاكرة تلقائيًا الى هذا المشهد السينمائي للرائع "عبد السلام النابلسي" وهو
يقف بشموخ قائلاً جملته الشهيرة التي علِقت في أذهان الجميع "أنا حسب الله
السادس عشر" وفي حين اعتبرها البعض مزحة لطيفة فقد تتبع البعض –ايضا- هذه
المزحة ليقف على حقيقتها ويكشف لنا من هو هذا الحسب الله ؟!
| "عبد السلام النابلسي" مُرتديًا زي فرقة "حسب الله" |
لم يكن اسم
"حسب الله" مجرد اسطورة أُطلِقت على اسم فرقة موسيقية، بل كان
اسمًا لعلم من أعلام الموسيقى والفن، فبه تكونت أول فرقة موسيقية شعبية من طرازٍ خاص فى تاريخ مصر الحديث لتسبق عصر التلفاز بمراحل عدة.
ولم تكن الفرقة لعامة
الشعب فحسب بل كانت فرقة حسب الله معشوقة
الأميرات فى قصورهن، فبجانب عزف الفرقة فى الافراح والمناسبات الشعبية لعامة الشعب، عزفت ايضا امام ملوك مصر وعظماءها، اذ عزفت الفرقة أمام الخديوي إسماعيل السلام الرسمي، ثم قامت بالعزف بعد ذلك أمام الملك فؤاد والملك فاروق، وكذلك في الأفراح والحفلات للبشاوات والأعيان فضلا عن أفراح عامة الشعب.
كما عرفت فرقة حسب الله على المستوى العالمي؛
فسافرت إلى عدة دول أوروبية، وشاركت في بعض المهرجانات في فرنسا وألمانيا وإنجلترا،
وعدة دول عربية، وشاركت أيضاً في عدة أفلام سينمائية؛ كان أبرزها فيلم شارع الحب
ودور عبد السلام النابلسي حسب الله السادس عشر.
وترجع اصل الفكرة الى الشاويش محمد حسب الله الذى كان عازفا "للكلارينت" فى فرقة
التشريفات الملكية فى الجيش فى عهد الخديوى عباس حلمى، ومع اغتيال عباس حلمى
المفاجئئ عام 1854 وجد الشاويش حسب الله نفسه عاطل عن العمل؛ فاتجه الى تكوين فرقة
مكونة من 11 عازف انتقاهم من عازفي شارع محمد على، ليبدأ بهم مسيرته الفنية التى
اصبحت مدرسة فيما بعد واستمرت أجيالاً.
![]() |
| ما تبقى من فرقة حسب الله |
ولما كانت البنوة فى الفن ليست فقط بالنسب، بل
بميراث المهنة والحفاظ على التراث من الإندثار؛ فبتلك النظرة توارثت الأجيال
الفنية حسب الله الذى لم يُرزق ببنون، ولازالت الفرقة مستمرة الى الآن فى شكلها
وامكاناتها كما كانت منذ أكثر من مائتيّ عام.
ولم تقتصر فرقة حسب الله على شكلها
الحالى فحسب، فهى مدرسة وتوجه موسيقي قبل أن تكون فرقة موسيقية، فمنها انطلقت عدة
فرق موسيقية مستوحيةً الفكرة من تلك المدرسة الموسيقية، ومنها فرقة "اوسكاريزم" فحسب تأكيد المسئول عن
الفرقة "أحمد نجدي" المعروف بأوسكار أنهم ماضون على عهد حسب الله الأول
ولكن بطريقتهم العصرية وأدواتهم العصرية.
وتُعد هذه الفرقة الوريث الحديث لحسب الله والتي
قد تكون هي حسب الله السادس والعشرون فى حلته الجديدة عائداً لنا بتراثٍ موسيقيٍ
فريد لطالما افتقدناه.
وقد رحب بهم حضور المعرض، وأبدوا سعادةً غامرة ليس فقط لموسيقاهم وشكلهم المبهج، وإنما لتذكير الحضور بعراقة حسب الله وفكرة الفرقة التي لم تندثر من الأذهان بعد.
![]() |
| فرقة "اوسكاريزما" في معرض الكتاب بالإسكندرية |


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق